اسماعيل بن محمد القونوي
384
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
من قوله شاهِداً [ الأحزاب : 45 ] إلى مُنِيراً [ الأحزاب : 46 ] المراد بالوصف الوصف اللغوي لا النعت النحوي فإن ما ذكر حال لا وصف . قوله : ( وهو الأمر بالمراقبة لأن ما بعده كالتفصيل له وقابل المبشر بالأمر ببشارة المؤمنين والنذير بالنهي عن مراقبة الكفار ) وهو الأمر بالمراقبة فحينئذ الأولى اسقاط المثل في قوله مثل فراقب أحوال أمتك لأن الشاهد لا بد له من مراقبة ما يشهد عليه قوله لأن ما بعده علة لحذف مقابل الشاهد أي وإثما حذف لأن ما بعده أي ما بعد الشاهد وهو الأمر بالتبشير كالتفصيل له أي يدل عليه ويغني عنه وحاصله أنه لم يذكر مقابل الشاهد صريحا وهو الأمر بالمراقبة ثقة بظهور دلالة مقابل المبشر عليه وهو الأمر بالتبشير . قوله : ( والمبالاة بأذاهم والداعي إلى اللّه بتيسيره بالأمر بالتوكل عليه ) والمبالاة عطف قوله : وقابل المبشر ببشارة المؤمنين أي قابل قوله : وَمُبَشِّراً [ الأحزاب : 45 ] بخطاب بشارة المؤمنين وهذا أتم تناسبا مما قاله به صاحب الكشاف فإنه جعل المبشر مقابلا بقوله : وَلا تُطِعِ [ الأحزاب : 48 ] حيث قال وقابل المبشر بالإعراض عن الكافرين والمنافقين لأنه إذا أعرض عنهم أقبل جميع إقباله على المؤمنين وهو مناسب للبشارة إلى هنا كلام الكشاف وفي توجيه التناسب في هذه المقابلة وهي مقابلة المبشر بلا تطع الكافرين بعد وتكلف كما قال الطيبي هذا نظم في غاية الحسن لكن في مقابلة التبشير بالإعراض عن الكافرين كلفة ولهذا قال القاضي وبشر معطوف على محذوف مثل فراقب أحوال أمتك . قوله : والداعي إلى اللّه بتيسيره بالتوكل الباء في بتيسيره متعلق بالداعي وهو معنى بإذنه في قوله : وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ [ الأحزاب : 46 ] وفي قوله بالتوكل متعلق بقابل أي قابل الداعي بإذنه بخطاب التوكل حيث أمره به قائلا تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ الأحزاب : 48 ] قال الطيبي رحمه اللّه نظير هذه الآية ما روينا عن البخاري وأحمد بن حنبل عن عطاء بن يسار قال لقيت عبد اللّه بن عمر فقلت له أخبرني عن صفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في التورية قال واللّه إنه لموصوف في التورية ببعض صفته في القرآن يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً [ الأحزاب : 45 ] وحرزا للمؤمنين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صحاب في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ولن يقبضه اللّه تعالى حتى يقبض به الملة العوجاء ويفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا وقد روى الراوي نحو عن عبد اللّه بن سلام فقوله حرزا للمؤمنين مقابل لقوله تعالى : وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ [ الأحزاب : 46 ] أي بتسيره وتسهيله فإن دعوته صلّى اللّه تعالى عليه وسلم إنما حصلت فائدتها فمن وفقه اللّه تعالى بتبين وتسهيل فلذلك آمنوا من مكان الدنيا وشدائد الآخرة وكان صلوات اللّه عليه بهذا لاعتبار حرزا لهم وقوله سميتك المتوكل إلى آخر الحديث مقابل قوله : وَسِراجاً مُنِيراً [ الأحزاب : 46 ] فعلم قوله : وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا [ الأحزاب : 48 ] مناسب لقوله : وَسِراجاً مُنِيراً [ الأحزاب : 46 ] فإن السراج مضيء في نفسه ومنور لغيره فبكونه متوكلا على اللّه يكون كاملا في نفسه فهو مناسب لقوله يقبض به الملة العوجاء يفتح به أعينا عميا وآذانا صما وهذا معنى قول صاحب الكشاف من أناره اللّه تعالى برهانا على جميع خلقه كان جديرا بأن يكتفي به عن جميع خلقه واللّه أعلم .